الشيخ محمد الصادقي الطهراني
416
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 47 ) . فسؤال ما ليس للسائل به علم سؤالان اثنان ، سؤال محظور وهو سؤال الاعتراض : لم أهلكت ابني وهو من أهلي ، ولم يكن ، فإنما طرح الموقف المجهول لديه ليقف على ما يجهله من قضية ضلال ابنه ، ولما يتبين له أنه عدو للّه دون سؤال ، ثم ذيّله ب : « وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ » مما يصرح بكامل رضاه بحكمه تعالى في ابنه على أية حال له كما في كل الأحوال . ثم وسؤال محبور أم هو لأقل تقدير غير محظور وهو الذي ينتجه « رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي . . » وليس ذلك من طرح السؤال ، بل هو أشبه بعرض الحال كما عرضها أيوب : « رب إني مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ » ( 38 : 41 ) . وليس « إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ » إلّا حظرا عن مستقبل السؤال دون حاضره ، أو ماضيه ، كيلا يقع في فخ السؤال المحظور قضية الرحمة الأبوية ، ناسيا أنه تعالى « أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ » . وكما صدق بكل تصديق وعظ ربه حيث : « قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ » وعوذا باللّه ألّا يعيذه ربه بعد دعاءه عن هذا السؤال ! ، ثم « إِلَّا تَغْفِرْ لِي » صدا عن هكذا سؤال غفر الدفع ولمّا يحصل ، دون غفر الرفع بعد ما حصل « وَتَرْحَمْنِي » حدا صالحا بكل سؤال « أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ » موقف العبودية السليمة وكامل التسليم . وأقصى ما يحتمل هنا أن سؤاله الاستعلام أيضا كان غير محبور ولا مشكور ، فإنه كان يعلم أنه تعالى « أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ » وأن « ابنه من أهله » وقد استثنى أهله « إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ » ومع الوصف أهلك ابنه مع سائر الظالمين ، وقضية الأدب الرسالي هي كامل السكوت في مثل ذلك الموقف الرهيف الرعيب . ولكنه لمّا يسأل - مهما كان في حضون السؤال - ذلك السؤال الاستعلام حتى أدركته العصمة الربانية فلم يسأل ، وكل ما في الأمر أنه عرض المسرح بموقفه منه راجيا أن يوضّح